منجد شريف
في الذكرى السنوية الخامسة والعشرين على رحيل والدي، نقف لا لنستعيد الحزن، بل لنستحضر سيرةً حيّة ما زالت تنبض فينا قيمًا ومواقفَ وإرثًا لا ينضب. لم يكن والدي مجرد اسم في سجل العائلة، بل كان روحًا جامعة، تُجسّد معنى رابطة الدم والأخوّة، وتحولها إلى فعل يومي من المحبة، والاحتضان، والتكافل، وصون العائلة كقيمة عليا لا تهتز.
في ميدان التربية، كان حضور والدي ووالدتي رسالة بحد ذاتها. عمل والدي مديرًا في مدرسة اليمونة الرسمية، إلى جانب والدتي التي كانت معلمةً للغة الفرنسية ثم ناظرًا عامًا، فشكّلا معًا نموذجًا تربويًا مميزًا جمع بين الإدارة الحكيمة والرسالة التعليمية الراقية. هناك، بين الصفوف والطلاب، تركا أثرًا عميقًا لا يُمحى، في المتعلمين كما في زملائهما، فكانا يزرعان القيم قبل المعرفة، ويبنيان الإنسان قبل الشهادة. وما زالت أصداء جهدهما حيّة في أجيالٍ حملت من أخلاقهما بقدر ما حملت من علمهما.
ويصادف مطلع نيسان، حيث كان عيد ميلاد والدتي، كأن الربيع اختار هذا الموعد ليهمس بأن من زرعا الحياة علمًا ومحبة لا يغيبان. رحلت هي قبله بخمس سنوات، لكن حضورهما في الذاكرة لا ينفصل، كأنهما فصلان متكاملان من قصة واحدة: غيابٌ يوجع، وذكرى تتجدد كل عام كربيعٍ لا يخبو.
أما في الشأن العام، فقد تربّى والدي على خدمة الناس منذ شبابه، معاونًا لوالده في السلطة المحلية، قبل أن يتولى رئاسة البلدية لسنوات طويلة. وهناك، قدّم نموذجًا يُحتذى في إدارة العمل العام، قائمًا على النزاهة وترشيد الإنفاق، ورفض الفساد والهدر، واضعًا مصلحة الناس فوق كل اعتبار. لم تكن المسؤولية عنده موقعًا، بل أمانة، ولم يكن القرار سلطة، بل التزامًا أخلاقيًا صادقًا تجاه مجتمعه.
وفي كل الملمات والخطوب، كان حاضرًا. لم يتأخر يومًا عن واجب، ولم يتردد في مدّ يد العون، فكان حضنًا لمن ضاقت به الدنيا، ومرجعيةً يُلجأ إليها، وسندًا لكل ذي حاجة. هكذا عرفه الناس: قريبًا، صادقًا، ثابتًا، لا يساوم على الحق ولا يتخلّى عن إنسانيته.
واليوم، في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها، وفي زمن الحرب وما يحمله من قلق وتحديات، تعود وصاياه لتكون البوصلة: أن نحافظ على وحدتنا، وأن نصون رابطة الدم، وأن نتكاتف بدل أن نتباعد، وأن نتمسّك بالأخوّة الحقيقية، فلا نتراخى ولا نتهاون في واجبنا تجاه بعضنا البعض. هكذا فقط نصون ما بناه، ونحفظ إرثه حيًا فينا.
خمسة وعشرون عامًا مرّت، لكنها لم تكن حاجزًا زمنيًا يباعد بيننا وبين ذكراه، بل كانت جسرًا نقترب عبره أكثر من معناه. فذكراه لم تخفت، بل ترسّخت، حتى في قلوب أبنائنا الذين لم يعرفوه، لكنهم حفظوه منّا تاريخًا وتراثًا، وأيقونةً للأب المثالي، المتفاني في سبيل عائلته وكل ذي حاجة.
وفي هذه الأيام التي تتقاطع مع معاني الجمعة العظيمة وما يليها من قيامة، نرى في سيرته معنى العطاء الذي لا يموت. كما أن الألم في تلك المناسبة هو عبور نحو الرجاء، كذلك يبقى غيابه عبورًا إلى حضورٍ أعمق فينا. نؤمن أن من عاش للمحبة لا يغيب، بل يقوم في القلوب كل يوم، ويستمر فينا كلما تمسكنا بما كان عليه من صدقٍ وخيرٍ وعطاء.
رحم الله والدي ووالدتي، وجعل ذكراهما نورًا دائمًا في دروبنا، ودعوةً صادقة لأن نكمل المسيرة كما أراداها: محبةً، ووفاءً، وخدمةً للناس دون كلل.
#ذكرى_والدي


